مصطفى إسماعيل – الكورد وتركيا والحلُّ المتجمد

يوليو 23rd, 2009

" أما وقد شارفت الهدنة على حزم حقائبها "

أطلقَ الرئيس التركي عبد الله غول في 10 آذار, قُبيلَ توجهه في زيارة دولة إلى إيران, جملته الساحرة المُقتضبة " أشياءٌ جميلةٌ ستحدث " المتعلقة بالملف الكوردي, ومضى في 9 أيار إبان عودته من براغ إلى حدِّ القول أن المسألة الكوردية هي " المسألة رقم واحد التي تواجه تركيا, وينبغي حلها, هنالك فرصة لحلها, وينبغي عدم تفويتها ", ونقلت صحيفة " حرييت " التركية عنه, أثناء زيارته إلى دمشق, قبل فترة وجيزة, أنه تطرَّقَ مُجدداً إلى المسألة الكوردية, وأن تركيا تتجه إلى حلها, وكانت آخرُ مواقف غولْ حول القضية الكوردية في تركيا, دعوته أثناء زيارته الأخيرة إلى قرغيزيا في 27 أيار الأحزاب الممثلة في البرلمان التركي إلى ضرورة المساهمة في حل القضية, باعتبارها " قضية الجميع ", وهي تصريحاتٌ – ولا سيما تصريحي 10 آذار و9 أيار – عبَّدَتْ لاحقاً الطريقَ أمام تفسيرات وتأويلات وتوقعات وردود فعل شتى, ولكن بعد شهرين من ذلك تبين أنها تصريحات ليست كقبعات السحرة, إذ لم يحدث شيء من جملة تلكم الأشياء الجميلة, اللهم إلا إذا كان المقصود بها, هو ذلكم الهبوب الأمني التركي منذ مقتبل شهر نيسان على النشطاء المحسوبين على حزب المجتمع الديمقراطي المرخص قانوناً, أو المجزرة التي ارتكبها مرتزقة حراس القرى في إحدى قرى ولاية ماردين, وكان مُخططاً إلصاقها بحزب العمال الكوردستاني, أو قتل الأطفال في عيد الطفل الموافق لـ 23 نيسان, أو عدم فرملة العمليات العسكرية.
الواضحُ إلى الآن, بعدَ كل الضجيج الإعلامي واللغط والتصريحات الرسمية التركية عن الهدنة / الفرصة لحل القضية الكوردية في تركيا, أنَّ الرئيس غول ورئيس وزراءه أردوغان, ومن خلفهما أعضاء الحزب الحاكم, المُنحدرين من أرومة دينية إسلامية, لا يُطيقونَ من القرآن الآية التالية من سورة الأنفال : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ", ما داموا يقفزون من فوقها, وهم الذين يزجون المصاحف في العملية الانتخابية كآلية دعائية, ويطالبون الناخبين بعد إغداق الرشى الانتخابية عليهم أداء اليمين على المصحف, لعدم النكوص عن العهد, وبالتالي التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية, فإذا كان حزب العدالة والتنمية إسلامياً, لكان امتثلَ بين يدي الآية القرآنية, وقرَّرَ بالمطلق الجنوحَ إلى السلم المعروضِ من ( إخوتهم ) الكورد, ما دام ينظر إلى قيادات الحزب في تركيا من قبل الأوساط المتدينة بمثابتهم " الفتية الذين آمنوا بربهم " , ولو كان الحزب ديمقراطياً منفتحاً على الآخر, لتمَّ رأبُ الصدع في تركيا منذ وصوله إلى سدة الحكم, وهو الباحثُ عن دورٍ ريادي لتركيا في الخارطة الجيو سياسية العالمية, والواقعُ أن العدالة والتنمية تمكن في غضون السنوات القليلة الماضية من تصفير غالبية مشاكله مع دول الجوار, ولكنه لم يشأ التحركَ قيدَ أنملة في الملف الكوردي, رغم أن الملف أتخم تصريحات متعاقبة سالبة وموجبة في غضون السنوات تلك, وأُتْخِمَ أكثرْ بالطيران العسكري, والمدفعية, والغارات الجوية, وحملات التمشيط العسكرية, وبالمزيد من الضحايا على الطرفين, ليبقى سِفْرُ المحنة مفتوحاً إلى إشعارٍ آخر.
في الأثنين 1 حزيران, تنتهي مُهلة الهدنة الممنوحة من حزب العمال الكوردستاني لمراكز النفوذ والقرار في أنقرة, ليُعيدَ الحزبُ الممثلُ للتطلعات الكوردية في كوردستان الشمالية قراءةَ الهدنة, وهذا ما توضَّحَ من البيان الصادر عن الهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكوردستاني ( حزب العمال الكوردستاني أحد تنظيماته ) في الجمعة 29 أيار, فإما أنْ يمدَّها ( كرمُ أخلاقٍ لإتاحة مُتسعٍ من الوقت أمامَ حمائم السلام التركية إنْ وُجدتْ ), وإمَّا أنْ يُعانقَ الحربَ مُجدداً, وطيلة فترة الهدنة لمْ يبْدُرْ من الطرف التركي على المستوى السياسي غيرُ نتفٍ يسيرٍ من التصريحات الغامضة والمبهمة, المشتغل عليها بدقة, وبالتقسيط الممل, ولكنها ملفتة من ناحية أنَّها المرة الأولى ربما بعد 1993 التي تتحرك فيها المياه السياسية الراكدة في أنقرة, ردَّاً على هدنة من الخصم العنيد, فيما كانت الهدناتُ السابقة تُكللُ بسياسة غضِّ النظر وإدارة الظهر لها, فيما بدتْ المؤسسة العسكرية التركية في الفترة إياها وكأنها مقيمةٌ في أذن الثور, غير مبالية بالطقس الجديد الذي جلبته الهدنة, ودلالةُ ذلكَ استمرارُ قيادة أركان الجيش التركي في تسيير حملات التمشيط العسكرية, وشنُّ غاراتٍ جوية على مواقع بداخل إقليم كوردستان العراق, ما أسفرَ عن تكبيدِ حزب العمال الكوردستاني نحو ثلاثينَ ضحية خلال فترة الهدنة, إضافة إلى مقتل 6 جنود أتراك مؤخراً في منطقة جوكورجا كانوا مشاركين في حملات التمشيط تلك, ويعني سقوط 36 قتيلاً من الطرفين خلال فترة الهدنة الأحادية, أن الطرف الآخر ( التركي ) حاولَ ما بوسعه لزجِّ الهدنة في زاوية ميتة, متجاهلاً إياها, إذا ما علمنا أنَّ أولئك الضحايا من الطرفين سقطوا صرعى نتيجة لعمليات عسكرية تركية, كنَّا نفهمها في أحد السياقين : اختبارُ مصداقية العمال الكوردستاني في هدنته, أو الإطاحة بالهدنة من خلال اللامبالاة بها واستفزاز عناصر الكوردستاني لجرِّهم إلى ( حومة الوغى وقراع الكتائب ).
كمْ كانَ صعباً على الجنرالات الأتراك منحُ نقاهةٍ مفتوحةٍ للأسلحة, والتجاوب مع الهدنة, وعدم تركها تنسَّلُ راحلةً من بين الأصابع أو طاولة التحاور المفترضة, ولكن لا يتحملُ الجيشُ وحده مسؤوليةَ
فُوَّاتِ فُرصة الحلِّ الديمقراطي للقضية الكوردية, إذْ تتحملُ الحكومةُ ورئاسة الجمهورية قِسطاً وفيراً من ذلك, ما دامَ انتهاجُ سياسة إلقاء الزيتِ الحارق على مقاتلي العمال الكوردستاني في كوردستان الشمالية وخارج الحدود السياسية لتركيا هو المُفضَّل, وكأنَّ أي مبادرة من الحكومة لحل القضية الكوردية تعني في المقام الأول بالنسبة إليها شنقَ سمعتها في ساحة السياسة التركية الداخلية, وهو تفكيرٌ مُستهجنٌ من حزب يحظى بالأغلبية البرلمانية منذ انتخابات 2002, ويُشكل الحكومة في تركيا وحده, من دون اللجوء إلى أيما ائتلافات, انطلاقاً من ذلك, يمكنُ تأويلُ تلكؤ حزب العدالة والتنمية بصدد الملف الكوردي على أنه افتقادٌ إلى الإرادة السياسية, وافتقارٌ إلى فهمٍ نزيهٍ وشفاف لجوهر القضية التي باتت مُسوَّفة إلى أجل آخر ( هكذا يبدو ), والرهانُ الكوردي على أنقرة وعلى العدالة والتنمية – والحالة هذه – يبدو رهاناً خاسراً, إذْ لا يُعوَّلُ عليه, ولا يمكنُ تحميلُ القضية على ظهر حزب العدالة والتنمية, ما دام مصاباً بالديسك السياسي, ولم يُبادرْ كحزبٍ حاكم إلى إخراجِ مفاتيح حلِّ القضية من جيبه, وهو الحزبُ الذي لطالما عرضَ مفاتيحَ الحلول في بازار السياسة : في الشرق الأوسط والقوقاز ( بين إسرائيل وسورية, بين حماس وفتح, بين حماس وإسرائيل, بين إيران والغرب, بين أذربيجان وأرمينيا ).
كانَ يُمكنُ لأشياءَ جميلة كثيرة أن تحدث, لو أُبْعِدَتْ الُسبابات عن مقاديح الأسلحة ( كما تمنى الصحفي التركي حسن جمال ), وبقي الجيشُ رهنَ ثكناته, ولجأت الحكومة التركية إلى مزامنة تصريحاتها بخطواتٍ عملية, ولكن لا شيء من ذلك طرقَ أبوابَ الكورد, بلْ اختارت الحكومة إزاءَ هدنة حزب العمال الكوردستاني اللجوءَ إلى سلوك العاشق الذي ينهالُ تمزيقاً على تويجِ الوردة قائلاً : تُحبني, لا تُحبني, ولكنْ يبدو أنَّ الحكومة التركية وهيَ تُعيدُ ارتكابات العاشق كانتْ تقولُ: لا حلَّ, لا حلَّ, لاحلَّ.
أما وأنَّ الهدنة الأحادية التي أطلقها حزب العمال الكوردستاني في 13 نيسان ستنتهي في 1 حزيران, فإنَّ كل الأنظار ستتجهُ يومذاك إلى مقرات قيادة الحزب في قنديل, ليتبينَ الخيط الأبيض من الأسود, فإمَّا أن يُوسَعَ لانتظارات الحلِّ مُجدداً, أو تنهارَ الهدنةُ, وتشهد تركيا وكوردستان الشمالية وإقليم كوردستان العراق بالتالي صيفاً ساخناً آخر, يمضي فيه كلُّ طرفٍ قُدماً إلى إثباتِ علوِّ كعبه في إلحاق الأضرار الجسيمة بالآخر وتكبيدهِ المزيدَ منَ الخسائر, وإنْ كنتُ شخصياً أرجحُ أن قيادات العمال الكوردستاني ستمدُّ من أجل الهدنة مرة أخرى, آخذينَ في ذلك بعين الاعتبار ما رشحَ عن إعدادِ زعيمهم المُعتقلِ في سجن إيمرالي التركي منذ أحد عشر عاماً لخارطة طريق من أجل حلِّ القضية الكوردية في تركيا, وهي مُقترحاتٌ منَ المُقرَّرِ أنْ يُفرجَ عنها أوجلان في نهاية شهر آب, من خلال محاميه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفى إسماعيل
[email protected]

إضافة تعليق

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create