مصطفى إسماعيل : كرة الحل النائمة في الملعب التركي

يوليو 23rd, 2009

هدنةٌ أخرى, وانتظارٌ آخر للحلِّ الديمقراطي السلمي للقضية الكوردية في تركيا, فيما لا تزالُ الكرةُ نائمةً في الملعب الرسمي التركي منذ الهدنة الأحادية الأولى قبلَ شهرين, وخلالَ مهلة الهدنة الأولى أُشْبِعَ الكوردُ وحركة تحررهم بصندويتشات قليلةَ الدسمِ من التصريحات المُهوِّمَة في فضاء الحل, وبمزيدٍ من اللغط الإعلامي المُواكب لمرحلةٍ أخرى مُغايرة ( بتعبير بعض الكتاب والإعلاميين الأتراك ), فيما يَنتظرُ الحلُّ المُفترضُ وراء الأبواب المُتجهمة الموصدة, هلْ تُشيرُ المُراوحةُ التركية في المكان والحالة هذه, إلى أنَّ هنالكَ طرفٌ فوقَ الحل الديمقراطي وآخرَ تحته, وعلى هذا الآخر بذلُ ما في وسعه للصعود إلى الأول عبرَ مزيدٍ من التنازلات التي كلَّما ذاقها الطرفُ التركي طلبَ المزيدَ ؟.
وإذا كان قطار الحل والسلام في تركيا وكوردستان قد غادر محطة قنديلْ, إلا أن قطار الضفة الأخرى لا يزالُ ينفثُ دخانه في محطات أنقرة, وما يخشاه المتابع للوضع التركي هو بقاءُ الحال على ما هو عليه ( يدٌ كوردية مُشرعة للسلام, ويدٌ تركية في الجيب ), إلا أن ينفذَ صبرُ حركة التحرر الكوردستانية, ويعودَ الطرفان إلى المربع الأول مجدداً, ليصبح السلام في تركيا حينها نسياً منسياً وحلماً شبهَ مستحيل, ونُذَّكرُ في هذا المقام بمثلٍ شعبي برازيلي يقول : " ثلاثة أشياء لا تعود: الكلمة إذا قيلت، والحجر إذا رمي، والفرصة إذا مضت ", وما يخشاه المتابع للوضع أيضاً, هو أن تقع الجهات الرسمية التركية أسيرةَ التفسير الخاطىء للموقف الكوردي على أنه موقفٌ عرضحالجي متوسل, وأسيرةَ الرِّهان على إنهاء حزب العمال الكوردستاني عسكرياً, ما سَيُفاقمُ الوضعَ, ويمدَّ من بقاء كوردستان وتركيا على برميل البارود, فتفويتُ الفرصة الحالية يعني انتقال الطرفين أوتوماتيكياً إلى الوقت بدل الضائع.
تمديد منظومة المجتمع الكوردستاني أجل الهدنة كما توقعنا في مقالنا " الكورد وتركيا والحل المتجمد " قبل أيام, يندرجُ في سياق تقديمِ دفعٍ آخرَ لِحَمَلَة الحل الديمقراطي السلمي المُفترضين في أنقرة, وتعزيزُ مواقعهم في وجه أصحاب اللاءات ( المؤسسة العسكرية وحزب الحركة القومية اليميني أبرزهم ), كما ويُعَدُّ دلالةً إضافية على جنوح حركة التحرر الكوردستانية إلى الخيار السلمي لحل القضية الكوردية التي ترافق الجمهورية التركية منذ تأسيسها, وكانت العامل الأساس الكامن وراء عشرات الانتفاضات والثورات في وجه الحكومات التركية المتعاقبة, وهذا يُرتبُ على مؤسسات الدولة التركية وفي طليعتها الحكومة الإقدامَ على خطوات عملية لافتة خلال عمر الهدنة الحالية ( شهر ونصف ), المتوقع تمديدها لاحقاً إلى الأول من أيلول, وعدم الاكتفاء بالتصريحات, والحديث عن مناقب الحل والسلام للتغطية على حالة الارتباك والتخبط المُزوَّقة دائماً بوعود الحلِّ, فبقاء الحكومة التركية في وضعية المتفرج المُناور ببعض التصريحات الإعلامية إزاءَ الهدنة الأحادية التي أطلقتها حركة التحرر الكوردستانية, واستنكافها عن الحوار للوصول إلى نقاط حلٍّ للقضية المزمنة في تركيا, وإهمالُ الهدنة مُجدداً, وجعلها تذبلُ كما كان شأن هدنات أخريات خلال السنوات السابقة, سيفتحُ الأبواب على متسعها مُجدداً أمام العنف الكاسر في تركيا وكوردستان وما وراء الحدود, ولن يورقَ في تركيا وكوردستان كمحصلةٍ لذلك غيرُ الرصاصِ وكمٍّ هائلٍ من المقابر.
بوسع الحكومة التركية الحيلولة دون تفاقم الوضع, وتجنب المسير نحو أفقٍ مسدود آخر, بوسعها إذا ما تحلَّتْ بالإرادة السياسية كطاقة حل وضعُ النقاط على الحروف والتدشين لمرحلةٍ مُفارقة تشهدُ انطلاقةً نوعية, من شأنها نقلُ تركيا بمكونيها الأساسيين إلى مواقع متقدمة مُتطلع إليها, فلا يمكنُ لتركيا لعبُ ذاكَ الدور الإقليمي المُخَطط له, إذا ما كان البيت الداخلي مُتداعياً ومُتآكلاً, الأمرُ الذي ينخرُ من مصداقية السياسة الخارجية لأيِّما دولة في العالم, وكانت العناوينُ البارزة لنقص مصداقية الحكومة التركية موقفُ رئيسها أردوغان خلال أزمة قطاع غزة ولاحقاً في منتدى دافوس, فلا يُمكنُ لسياسي أنْ ينصب من نفسه عرَّابَ سلام ووسيطَ حلول سياسية في جواره الجغرافي, فيما الأوضاع الداخلية في بلاده متأزمة وغير مستقرة وتعيشُ في سبطانات الأسلحة منذ العقدين والنصف الأخيرين, على الحكومة ذلك كدليلِ حسن نوايا ورغبة في الانخراط في التسوية, بدلاً من الانهماك في جدلٍ سفسطائي عقيم, من نوع المطالبة بانسحاب مقاتلي العمال الكوردستاني إلى مناطق بعيدة لا يتماسون فيها مع الجيش التركي, ومطالبتهم بالكفِّ عن تفجير الألغام المُضادة للأشخاص التي ذهب ضحيتها ستة جنود أتراك قبل أيام, وتنظيم البكائيات والمندبات الإعلامية من أجلهم, واعتبار ذلك دليلَ عدم جديّة من العمال الكوردستاني في هدنته, مُتناسين خلالَ ذلك سقوط 35 مقاتلاً من الحزب الكوردستاني مؤخراً ضحايا عمليات الجيش التركي غير الآبهة بالهدنة, والمُتبرمة منها إلى ما يعلم الله.

[email protected]

إضافة تعليق

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create