مصطفى إسماعيل : الفسيفساء السوري الهش

أغسطس 29th, 2011

السوريون ليسوا كتلة واحدة, والمكونات السورية العديدة لا تشكل متحداً متناغماً, وسوريا مذ عرفناها هي عبارة عن دولة كانتونات غير متحدة, فالعرب السوريون مشدودون إلى الفضاء العربي من المحيط إلى الخليج, والكورد ينتمون إلى الفضاء الكوردي في الأجزاء الثلاثة من كردستان الموزعة بين العراق وتركيا وإيران, والآشور يعنيهم فضائهم الآشوري في تركيا والعراق, والأرمن السوريون يتعاملون مع أنفسهم كجالية كبرى في المنطقة لدولة أرمينيا, والشركس لم يغادروا بعد هواهم القوقازي, والشيعي السوري تكمن مرجعيته في قم الإيرانية, إضافة إلى: السريان, والكلدان, والتركمان, والسنة, والاسماعيلية, والمرشدية, والدروز, والعلوية, وعديد الطوائف المسيحية, واليزيدية, وبعض اليهود.

كان يمكن للتعددية العرقية والإثنية في سوريا أن تكون عامل غنى وثروة, ولكن الحكومات والأنظمة السورية المتعاقبة لم تفلح في دمقرطة الحالة السورية والتعامل مع التعددية بعقل ديمقراطي محض, بل أبقت على البث التجريبي للتنافر العرقي والإثني, من خلال اعتماد سياسة القومنة الأحادية للدولة والصهر القومي وتنمية الكراهيات الفطرية المستترة بين المكونات, ولعل حزب البعث الحاكم في سوريا يعد المسؤول بالمطلق عن تهشيم الفسيفساء السوري, عبر إغراقه البلاد بالسياسات الداخلية العبثية المفوتة, إذ أقام تعارضاً في المفهوم بين الوطني والقومي, فالموقف العدمي للبعث ألحق أفدح الأضرار بالوحدة الوطنية عبر إثارة الشبهات حول ما هو وطني لاعتباره معادياً للقومية العربية في طبعتها البعثية المنفعية / الأداة لبلورة النفوذ والهيمنة, وخلق حدائق خلفية ملحقة بخطابها السياسي التثقيفي الديماغوجي.

رتب التنسيق البعثي الأمني للحياة الداخلية في البلاد المكونات السورية في غيتوهات ضيقة ومنغلقة, منفصلة عملياً ومتصلة نظرياً, فالنظام الأمني البعثي في سوريا صاحب مشروع كارثي في تذكية وتنمية التعصب القومي والديني والطائفي والمذهبي ورعايته, بالغاً أقصى درجات التناقض البنيوي بين الشعار والممارسة, فالنظام الذي حارب بالبارود والنار التيار الإسلامي في سوريا ثمانينيات القرن العشرين, مرتكباً خلاله فظائع ومجازر جماعية, هو نفسه الذي رمى كامل بيضه في سلة أهل السنة, فاجتاحت سوق الكتاب مؤلفات دينوية سقط متاع وسطحية, لا تسهم إلا في رمي العقل إلى حاويات القمامة, متحولاً إلى حاضنة للتيارات السلفية والتكفيرية, استثمرها جيداً في العراق ولبنان, فاتحاً الأبواب أمام انتشار الوهابية وظاهرة القبيسيات في سوريا, مضافة إلى الأبواب المشرعة أمام مشروع تشييع سوريا, الأمر الذي يشي بذروة التناقض البنيوي بين شعاراته وإيديولوجيته العلمانية من جهة وممارساته العيانية الواقعية من جهة أخرى, فالبعث العلماني اختار أن يضع العمامة على رأسه.

في الحقل الطائفي والمذهبي, تم تحويل مؤسسات الدولة دون استثناءات إلى مربع وملهى للطائفة العلوية, فغالبية ضباط الجيش ينحدرون منها, وغالبية مديري الأجهزة القمعية وعناصرها منها, وصار متعارفاً عليه أن الحصة الأسد من التعيينات في القطاع العام الحكومي هي لأبناء الطائفة العلوية, ونخص بالذكر سلك التدريس والتعليم, إذ تشهد المدارس في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد كثافة في أعداد المعلمين والمعلمات الوكلاء المستقدمين من الغرب السوري على حساب أبناء وبنات تلكم المناطق, وفي سياق متصل لاعتماد النظام على الطائفة العلوية, فقد أوشكت اللهجة ( الساحلية : العلوية ) أن تصبح اللغة الرسمية للبلاد, كان الأمر يحتاج إلى تعديل دستوري فقط, أليس الانتشار الهائل لمطربي الكراجات : علي الديك وإخوانه ووفيق حبيب.. إلخ إهانة للذائقة السورية والفن السوري ؟. بذا فصم النظام العرى النفسية بين تلكم الطائفة والمكونات السورية الأخرى.

قام النظام أيضاً باحتواء الطوائف المسيحية العديدة في سوريا : الروم الأرثوذكس, والسريان الأرثوذكس, والأرمن الأرثوذكس, والروم الكاثوليك, والسريان الكاثوليك, والأرمن الكاثوليك, واللاتين, والنساطرة, والموارنة, والكنائس البروتستانتية.. إلخ. من أجل تقديم سوريا للخارج على أنها النموذج الأيقوني لدولة التسامح بين الأديان, وقد أسهم ترويضها لرؤوس تلك الكنائس في امتداد ترويضها إلى الفضاء المسيحي المتعدد في سوريا, ولا نستغرب إذا كان بعض الإخوة الآشوريين في المنظمة الآثورية الديمقراطية يشكون من لا مبالاة المكون الآثوري تجاه السياسة, وتحول رجل الدين المسيحي إلى رجل أمن فوق رؤوسهم, عموماً فإن المدركين لألاعيب السلطة كانوا يعون جيداً أن المشاهد التلفزيونية التي كان يقدمها تلفزيون النظام ويظهر فيها التناغم بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي, كانت لا تعدو أن تكون مشهداً سوريالياً ليس إلا, لمعرفتهم الأكيدة بالنظام الذي قام بتدجين الأديان السماوية وترويضها وتحويلها إلى مؤسسات أمنية ضاربة إضافية في الداخل.

تلقى المكون الكردي لسوريا حصة الأسد من قمع نظام الأسد, فقد أجزل عليهم بالعطاءات الاستثنائية: الحزام العربي ( مصادرة أراضي الكورد الزراعية وتوطين العرب السوريين فيها ), وفتح المعتقلات والسجون السورية على مصراعيها أمام النشطاء الكرد, قتل مجنديهم أثناء الخدمة الإلزامية في الجيش السوري, محاربتهم على الهوية, رفض إعادة الجنسية السورية إليهم, المرسوم 49 لعام 2008 الذي وضع قيوداً على حرية التملك في المناطق الكردية ( وأيضاً بعض المناطق السورية الأخرى ) بهدف شل أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية الكردية, النقل التعسفي الذي استهدف الموظفين الكرد في القطاع الحكومي وتحديداً منهم العاملين في سلك التربية, إلى جانب العشرات من السياسات والممارسات الإقصائية الشوفينية الأحادية للصهر القومي للمواطنين الكرد السوريين, الذين حولهم البعث إلى مجرد رعايا لا مواطنين. هذه الحرب البعثية الأمنية من لدن نظام الأسد المعلنة على الوجود الكردي في سوريا والتي وصلت ذروتها في مارس / آذار 2004 جعلت المستشرق الهولندي ” نيكول سماير ” يعدها ( عنوان نهاية النظام السوري ).

لم يك النظام السوري معنياً يوماً بالوحدة الوطنية في البلاد, ولم يحاول يوماً احترام الوحدة الوطنية في البلاد, فمن المواد الأولى في دستوره الأحادي إلى ممارساته المتغولة على الأرض لم ينجح النظام سوى في إنتاج القطيعة بين المكونات السورية وترسيخها إلى يوم الدين السوري, ولا نستغرب بناء على ذلك اتهام أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق وعلى رأسهم د. فداء الحوراني بتشجيع الكرد على الانفصال عن سوريا, ومعرفتنا الأكيدة بالنظام الذي حاول لعقود هدم الجسور بين السوريين, تجعلنا لا نستغرب تعرضنا وتعرض غالبية النشطاء الكرد السوريين لمحاكمات جائرة بتهم شتى تأتي في طليعتها تهمة ( محاولة اقتطاع جزء من أراضي الدولة السورية لضمها إلى دولة أجنبية ), وهي تهمة أقل ما يقال عنها أنها مضحكة ومثيرة للسخرية, وقد قلت في معرض الرد عليها أمام محكمة الجنايات العسكرية بحلب يوم 26 سبتمبر / أيلول 2010 : إذا كان النظام السوري يريد عودة الجولان المحتل منذ 1967 فأنا كناشط كردي سوري أريد أبعد من ذلك عودة لواء الاسكندرون المحتل من قبل تركيا منذ 1938.

تأسيساً على ما تقدم, من إيراد بعض حالات التكسير المجتمعي في سوريا التي قامت السلطات بارتكابها, فإني أذهب إلى حد القول, أن السوريين سيعانون في مرحلة ما بعد النظام الحالي الأمرين, إذ ليست عملية إشادة عقد اجتماعي جديد في سوريا وضخ ثقافة اندماج عمليانية في سوريا مجدداً بالأمر الهين واليسير ظل تقسيم الدولة البعثية العائلية الأمنية لسوريا إلى مكونات غيتوهية منغلقة على أولوياتها, ومحلقة خارج السرب, وقد تطول مرحلة الوصول إلى الاندماج الطوعي الحقيقي الواعي والتشاركية الوطنية السورية لعقود, ولن نشهد ذلك إلا بعد حزمة قوانين جديدة, وضمانات دستورية كفيلة بنقل السوريين من رهائن الشمولية إلى كائنات حرة في بلد يقدس الحرية.

مصطفى إسماعيل : كرة الحل النائمة في الملعب التركي

يوليو 23rd, 2009

هدنةٌ أخرى, وانتظارٌ آخر للحلِّ الديمقراطي السلمي للقضية الكوردية في تركيا, فيما لا تزالُ الكرةُ نائمةً في الملعب الرسمي التركي منذ الهدنة الأحادية الأولى قبلَ شهرين, وخلالَ مهلة الهدنة الأولى أُشْبِعَ الكوردُ وحركة تحررهم بصندويتشات قليلةَ الدسمِ من التصريحات المُهوِّمَة في فضاء الحل, وبمزيدٍ من اللغط الإعلامي المُواكب لمرحلةٍ أخرى مُغايرة ( بتعبير بعض الكتاب والإعلاميين الأتراك ), فيما يَنتظرُ الحلُّ المُفترضُ وراء الأبواب المُتجهمة الموصدة, هلْ تُشيرُ المُراوحةُ التركية في المكان والحالة هذه, إلى أنَّ هنالكَ طرفٌ فوقَ الحل الديمقراطي وآخرَ تحته, وعلى هذا الآخر بذلُ ما في وسعه للصعود إلى الأول عبرَ مزيدٍ من التنازلات التي كلَّما ذاقها الطرفُ التركي طلبَ المزيدَ ؟.
وإذا كان قطار الحل والسلام في تركيا وكوردستان قد غادر محطة قنديلْ, إلا أن قطار الضفة الأخرى لا يزالُ ينفثُ دخانه في محطات أنقرة, وما يخشاه المتابع للوضع التركي هو بقاءُ الحال على ما هو عليه ( يدٌ كوردية مُشرعة للسلام, ويدٌ تركية في الجيب ), إلا أن ينفذَ صبرُ حركة التحرر الكوردستانية, ويعودَ الطرفان إلى المربع الأول مجدداً, ليصبح السلام في تركيا حينها نسياً منسياً وحلماً شبهَ مستحيل, ونُذَّكرُ في هذا المقام بمثلٍ شعبي برازيلي يقول : " ثلاثة أشياء لا تعود: الكلمة إذا قيلت، والحجر إذا رمي، والفرصة إذا مضت ", وما يخشاه المتابع للوضع أيضاً, هو أن تقع الجهات الرسمية التركية أسيرةَ التفسير الخاطىء للموقف الكوردي على أنه موقفٌ عرضحالجي متوسل, وأسيرةَ الرِّهان على إنهاء حزب العمال الكوردستاني عسكرياً, ما سَيُفاقمُ الوضعَ, ويمدَّ من بقاء كوردستان وتركيا على برميل البارود, فتفويتُ الفرصة الحالية يعني انتقال الطرفين أوتوماتيكياً إلى الوقت بدل الضائع.
تمديد منظومة المجتمع الكوردستاني أجل الهدنة كما توقعنا في مقالنا " الكورد وتركيا والحل المتجمد " قبل أيام, يندرجُ في سياق تقديمِ دفعٍ آخرَ لِحَمَلَة الحل الديمقراطي السلمي المُفترضين في أنقرة, وتعزيزُ مواقعهم في وجه أصحاب اللاءات ( المؤسسة العسكرية وحزب الحركة القومية اليميني أبرزهم ), كما ويُعَدُّ دلالةً إضافية على جنوح حركة التحرر الكوردستانية إلى الخيار السلمي لحل القضية الكوردية التي ترافق الجمهورية التركية منذ تأسيسها, وكانت العامل الأساس الكامن وراء عشرات الانتفاضات والثورات في وجه الحكومات التركية المتعاقبة, وهذا يُرتبُ على مؤسسات الدولة التركية وفي طليعتها الحكومة الإقدامَ على خطوات عملية لافتة خلال عمر الهدنة الحالية ( شهر ونصف ), المتوقع تمديدها لاحقاً إلى الأول من أيلول, وعدم الاكتفاء بالتصريحات, والحديث عن مناقب الحل والسلام للتغطية على حالة الارتباك والتخبط المُزوَّقة دائماً بوعود الحلِّ, فبقاء الحكومة التركية في وضعية المتفرج المُناور ببعض التصريحات الإعلامية إزاءَ الهدنة الأحادية التي أطلقتها حركة التحرر الكوردستانية, واستنكافها عن الحوار للوصول إلى نقاط حلٍّ للقضية المزمنة في تركيا, وإهمالُ الهدنة مُجدداً, وجعلها تذبلُ كما كان شأن هدنات أخريات خلال السنوات السابقة, سيفتحُ الأبواب على متسعها مُجدداً أمام العنف الكاسر في تركيا وكوردستان وما وراء الحدود, ولن يورقَ في تركيا وكوردستان كمحصلةٍ لذلك غيرُ الرصاصِ وكمٍّ هائلٍ من المقابر.
بوسع الحكومة التركية الحيلولة دون تفاقم الوضع, وتجنب المسير نحو أفقٍ مسدود آخر, بوسعها إذا ما تحلَّتْ بالإرادة السياسية كطاقة حل وضعُ النقاط على الحروف والتدشين لمرحلةٍ مُفارقة تشهدُ انطلاقةً نوعية, من شأنها نقلُ تركيا بمكونيها الأساسيين إلى مواقع متقدمة مُتطلع إليها, فلا يمكنُ لتركيا لعبُ ذاكَ الدور الإقليمي المُخَطط له, إذا ما كان البيت الداخلي مُتداعياً ومُتآكلاً, الأمرُ الذي ينخرُ من مصداقية السياسة الخارجية لأيِّما دولة في العالم, وكانت العناوينُ البارزة لنقص مصداقية الحكومة التركية موقفُ رئيسها أردوغان خلال أزمة قطاع غزة ولاحقاً في منتدى دافوس, فلا يُمكنُ لسياسي أنْ ينصب من نفسه عرَّابَ سلام ووسيطَ حلول سياسية في جواره الجغرافي, فيما الأوضاع الداخلية في بلاده متأزمة وغير مستقرة وتعيشُ في سبطانات الأسلحة منذ العقدين والنصف الأخيرين, على الحكومة ذلك كدليلِ حسن نوايا ورغبة في الانخراط في التسوية, بدلاً من الانهماك في جدلٍ سفسطائي عقيم, من نوع المطالبة بانسحاب مقاتلي العمال الكوردستاني إلى مناطق بعيدة لا يتماسون فيها مع الجيش التركي, ومطالبتهم بالكفِّ عن تفجير الألغام المُضادة للأشخاص التي ذهب ضحيتها ستة جنود أتراك قبل أيام, وتنظيم البكائيات والمندبات الإعلامية من أجلهم, واعتبار ذلك دليلَ عدم جديّة من العمال الكوردستاني في هدنته, مُتناسين خلالَ ذلك سقوط 35 مقاتلاً من الحزب الكوردستاني مؤخراً ضحايا عمليات الجيش التركي غير الآبهة بالهدنة, والمُتبرمة منها إلى ما يعلم الله.

[email protected]

مصطفى إسماعيل – الكورد وتركيا والحلُّ المتجمد

يوليو 23rd, 2009

" أما وقد شارفت الهدنة على حزم حقائبها "

أطلقَ الرئيس التركي عبد الله غول في 10 آذار, قُبيلَ توجهه في زيارة دولة إلى إيران, جملته الساحرة المُقتضبة " أشياءٌ جميلةٌ ستحدث " المتعلقة بالملف الكوردي, ومضى في 9 أيار إبان عودته من براغ إلى حدِّ القول أن المسألة الكوردية هي " المسألة رقم واحد التي تواجه تركيا, وينبغي حلها, هنالك فرصة لحلها, وينبغي عدم تفويتها ", ونقلت صحيفة " حرييت " التركية عنه, أثناء زيارته إلى دمشق, قبل فترة وجيزة, أنه تطرَّقَ مُجدداً إلى المسألة الكوردية, وأن تركيا تتجه إلى حلها, وكانت آخرُ مواقف غولْ حول القضية الكوردية في تركيا, دعوته أثناء زيارته الأخيرة إلى قرغيزيا في 27 أيار الأحزاب الممثلة في البرلمان التركي إلى ضرورة المساهمة في حل القضية, باعتبارها " قضية الجميع ", وهي تصريحاتٌ – ولا سيما تصريحي 10 آذار و9 أيار – عبَّدَتْ لاحقاً الطريقَ أمام تفسيرات وتأويلات وتوقعات وردود فعل شتى, ولكن بعد شهرين من ذلك تبين أنها تصريحات ليست كقبعات السحرة, إذ لم يحدث شيء من جملة تلكم الأشياء الجميلة, اللهم إلا إذا كان المقصود بها, هو ذلكم الهبوب الأمني التركي منذ مقتبل شهر نيسان على النشطاء المحسوبين على حزب المجتمع الديمقراطي المرخص قانوناً, أو المجزرة التي ارتكبها مرتزقة حراس القرى في إحدى قرى ولاية ماردين, وكان مُخططاً إلصاقها بحزب العمال الكوردستاني, أو قتل الأطفال في عيد الطفل الموافق لـ 23 نيسان, أو عدم فرملة العمليات العسكرية.
الواضحُ إلى الآن, بعدَ كل الضجيج الإعلامي واللغط والتصريحات الرسمية التركية عن الهدنة / الفرصة لحل القضية الكوردية في تركيا, أنَّ الرئيس غول ورئيس وزراءه أردوغان, ومن خلفهما أعضاء الحزب الحاكم, المُنحدرين من أرومة دينية إسلامية, لا يُطيقونَ من القرآن الآية التالية من سورة الأنفال : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ", ما داموا يقفزون من فوقها, وهم الذين يزجون المصاحف في العملية الانتخابية كآلية دعائية, ويطالبون الناخبين بعد إغداق الرشى الانتخابية عليهم أداء اليمين على المصحف, لعدم النكوص عن العهد, وبالتالي التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية, فإذا كان حزب العدالة والتنمية إسلامياً, لكان امتثلَ بين يدي الآية القرآنية, وقرَّرَ بالمطلق الجنوحَ إلى السلم المعروضِ من ( إخوتهم ) الكورد, ما دام ينظر إلى قيادات الحزب في تركيا من قبل الأوساط المتدينة بمثابتهم " الفتية الذين آمنوا بربهم " , ولو كان الحزب ديمقراطياً منفتحاً على الآخر, لتمَّ رأبُ الصدع في تركيا منذ وصوله إلى سدة الحكم, وهو الباحثُ عن دورٍ ريادي لتركيا في الخارطة الجيو سياسية العالمية, والواقعُ أن العدالة والتنمية تمكن في غضون السنوات القليلة الماضية من تصفير غالبية مشاكله مع دول الجوار, ولكنه لم يشأ التحركَ قيدَ أنملة في الملف الكوردي, رغم أن الملف أتخم تصريحات متعاقبة سالبة وموجبة في غضون السنوات تلك, وأُتْخِمَ أكثرْ بالطيران العسكري, والمدفعية, والغارات الجوية, وحملات التمشيط العسكرية, وبالمزيد من الضحايا على الطرفين, ليبقى سِفْرُ المحنة مفتوحاً إلى إشعارٍ آخر.
في الأثنين 1 حزيران, تنتهي مُهلة الهدنة الممنوحة من حزب العمال الكوردستاني لمراكز النفوذ والقرار في أنقرة, ليُعيدَ الحزبُ الممثلُ للتطلعات الكوردية في كوردستان الشمالية قراءةَ الهدنة, وهذا ما توضَّحَ من البيان الصادر عن الهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكوردستاني ( حزب العمال الكوردستاني أحد تنظيماته ) في الجمعة 29 أيار, فإما أنْ يمدَّها ( كرمُ أخلاقٍ لإتاحة مُتسعٍ من الوقت أمامَ حمائم السلام التركية إنْ وُجدتْ ), وإمَّا أنْ يُعانقَ الحربَ مُجدداً, وطيلة فترة الهدنة لمْ يبْدُرْ من الطرف التركي على المستوى السياسي غيرُ نتفٍ يسيرٍ من التصريحات الغامضة والمبهمة, المشتغل عليها بدقة, وبالتقسيط الممل, ولكنها ملفتة من ناحية أنَّها المرة الأولى ربما بعد 1993 التي تتحرك فيها المياه السياسية الراكدة في أنقرة, ردَّاً على هدنة من الخصم العنيد, فيما كانت الهدناتُ السابقة تُكللُ بسياسة غضِّ النظر وإدارة الظهر لها, فيما بدتْ المؤسسة العسكرية التركية في الفترة إياها وكأنها مقيمةٌ في أذن الثور, غير مبالية بالطقس الجديد الذي جلبته الهدنة, ودلالةُ ذلكَ استمرارُ قيادة أركان الجيش التركي في تسيير حملات التمشيط العسكرية, وشنُّ غاراتٍ جوية على مواقع بداخل إقليم كوردستان العراق, ما أسفرَ عن تكبيدِ حزب العمال الكوردستاني نحو ثلاثينَ ضحية خلال فترة الهدنة, إضافة إلى مقتل 6 جنود أتراك مؤخراً في منطقة جوكورجا كانوا مشاركين في حملات التمشيط تلك, ويعني سقوط 36 قتيلاً من الطرفين خلال فترة الهدنة الأحادية, أن الطرف الآخر ( التركي ) حاولَ ما بوسعه لزجِّ الهدنة في زاوية ميتة, متجاهلاً إياها, إذا ما علمنا أنَّ أولئك الضحايا من الطرفين سقطوا صرعى نتيجة لعمليات عسكرية تركية, كنَّا نفهمها في أحد السياقين : اختبارُ مصداقية العمال الكوردستاني في هدنته, أو الإطاحة بالهدنة من خلال اللامبالاة بها واستفزاز عناصر الكوردستاني لجرِّهم إلى ( حومة الوغى وقراع الكتائب ).
كمْ كانَ صعباً على الجنرالات الأتراك منحُ نقاهةٍ مفتوحةٍ للأسلحة, والتجاوب مع الهدنة, وعدم تركها تنسَّلُ راحلةً من بين الأصابع أو طاولة التحاور المفترضة, ولكن لا يتحملُ الجيشُ وحده مسؤوليةَ
فُوَّاتِ فُرصة الحلِّ الديمقراطي للقضية الكوردية, إذْ تتحملُ الحكومةُ ورئاسة الجمهورية قِسطاً وفيراً من ذلك, ما دامَ انتهاجُ سياسة إلقاء الزيتِ الحارق على مقاتلي العمال الكوردستاني في كوردستان الشمالية وخارج الحدود السياسية لتركيا هو المُفضَّل, وكأنَّ أي مبادرة من الحكومة لحل القضية الكوردية تعني في المقام الأول بالنسبة إليها شنقَ سمعتها في ساحة السياسة التركية الداخلية, وهو تفكيرٌ مُستهجنٌ من حزب يحظى بالأغلبية البرلمانية منذ انتخابات 2002, ويُشكل الحكومة في تركيا وحده, من دون اللجوء إلى أيما ائتلافات, انطلاقاً من ذلك, يمكنُ تأويلُ تلكؤ حزب العدالة والتنمية بصدد الملف الكوردي على أنه افتقادٌ إلى الإرادة السياسية, وافتقارٌ إلى فهمٍ نزيهٍ وشفاف لجوهر القضية التي باتت مُسوَّفة إلى أجل آخر ( هكذا يبدو ), والرهانُ الكوردي على أنقرة وعلى العدالة والتنمية – والحالة هذه – يبدو رهاناً خاسراً, إذْ لا يُعوَّلُ عليه, ولا يمكنُ تحميلُ القضية على ظهر حزب العدالة والتنمية, ما دام مصاباً بالديسك السياسي, ولم يُبادرْ كحزبٍ حاكم إلى إخراجِ مفاتيح حلِّ القضية من جيبه, وهو الحزبُ الذي لطالما عرضَ مفاتيحَ الحلول في بازار السياسة : في الشرق الأوسط والقوقاز ( بين إسرائيل وسورية, بين حماس وفتح, بين حماس وإسرائيل, بين إيران والغرب, بين أذربيجان وأرمينيا ).
كانَ يُمكنُ لأشياءَ جميلة كثيرة أن تحدث, لو أُبْعِدَتْ الُسبابات عن مقاديح الأسلحة ( كما تمنى الصحفي التركي حسن جمال ), وبقي الجيشُ رهنَ ثكناته, ولجأت الحكومة التركية إلى مزامنة تصريحاتها بخطواتٍ عملية, ولكن لا شيء من ذلك طرقَ أبوابَ الكورد, بلْ اختارت الحكومة إزاءَ هدنة حزب العمال الكوردستاني اللجوءَ إلى سلوك العاشق الذي ينهالُ تمزيقاً على تويجِ الوردة قائلاً : تُحبني, لا تُحبني, ولكنْ يبدو أنَّ الحكومة التركية وهيَ تُعيدُ ارتكابات العاشق كانتْ تقولُ: لا حلَّ, لا حلَّ, لاحلَّ.
أما وأنَّ الهدنة الأحادية التي أطلقها حزب العمال الكوردستاني في 13 نيسان ستنتهي في 1 حزيران, فإنَّ كل الأنظار ستتجهُ يومذاك إلى مقرات قيادة الحزب في قنديل, ليتبينَ الخيط الأبيض من الأسود, فإمَّا أن يُوسَعَ لانتظارات الحلِّ مُجدداً, أو تنهارَ الهدنةُ, وتشهد تركيا وكوردستان الشمالية وإقليم كوردستان العراق بالتالي صيفاً ساخناً آخر, يمضي فيه كلُّ طرفٍ قُدماً إلى إثباتِ علوِّ كعبه في إلحاق الأضرار الجسيمة بالآخر وتكبيدهِ المزيدَ منَ الخسائر, وإنْ كنتُ شخصياً أرجحُ أن قيادات العمال الكوردستاني ستمدُّ من أجل الهدنة مرة أخرى, آخذينَ في ذلك بعين الاعتبار ما رشحَ عن إعدادِ زعيمهم المُعتقلِ في سجن إيمرالي التركي منذ أحد عشر عاماً لخارطة طريق من أجل حلِّ القضية الكوردية في تركيا, وهي مُقترحاتٌ منَ المُقرَّرِ أنْ يُفرجَ عنها أوجلان في نهاية شهر آب, من خلال محاميه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصطفى إسماعيل
[email protected]

مصطفى آكيول : حزب الحركة القومية والكورد

يوليو 23rd, 2009

الترجمة من التركية : مصطفى إسماعيل

يعرض الكاتب الصحافي " مصطفى آكيول " لجانب من معارضة زعيم حزب الحركة القومية اليميني التركي للنقاشات الدائرة مؤخراً في تركيا, فيما يتعلق بحل المسألة الكوردية, وتبدو بعض من مواقف الزعيم اليميني التركي " دولت بخجلي " أو كلها فيما خص الجدل الدائر, مثيرة للسخرية والاستغراب لدى الكاتب, إذ أنها متناقضة وغير مفهومة, ولا تندرج في خانة, غير المعارضة القومجية التركية لحل القضية الكوردية في تركيا, وهي معارضة تتزيا وتتبنى مقولات إطلاقية واهية ومتهافتة من قبيل " الأخوة الكوردية – التركية ", التي لا يسندها في الواقع العياني السياسي التركي من لدن غالبية من الأحزاب التقليدية التركية ذات الأرومة الأيديولوجية أيما شيء. إليكم نص المقال :

مصطفى آكيول : حزب الحركة القومية والكورد

ألقى زعيم حزب الحركة القومية دولت بخجلي الأسبوع الفائت خطاباً قاسياً, أمام مجموعة حزبه البرلمانية, ومَرَّدُ انزعاجه, حديثُ رئيس الجمهورية عبد الله غول عن " فرصةٍ تاريخية " في المسألة الكوردية, وإطلاقُ الحكومةِ إشاراتٍ حول بعض الإصلاحات, فعبارة " حلُّ المسألة الكوردية ", والتطوراتُ في هذا السياق التي بعثتْ الآمال لدى البعض, تُعَّدُ لدى " دولت بخجلي " مُجرَّدَ مسلسلٍ آخرَ من الإهانةِ ( بحقِّ تركيا ).
وجدته مُخطئاً وغيرَ مُحِّق في كلامه, وليسَ ذلك  لتفكُّر السيد بخجلي في هذا الموضوع بطريقةٍ مغايرة لرئيس الجمهورية وللحكومة و ( لي ), وإنما الخطأ ولا أحقيته تنبعان من اتهامه للمختلفِ معه في التفكير بالخيانة, وكانَ يُفترضُ في زعيم حزب الحركة القومية بدلاً من استعمال هكذا عبارات اتهامية وتحريضية, أنْ يلجأ إلى تحليلٍ كالتالي " نحن ضدَّ تلكم السياسات, ومن هذه المنطلقات نرقبُ بقلقٍ ", حينها كان سيُعَّدُ مُنصِفاً, ومُضيفاً رأياً آخرَ إلى النقاشات الدائرةِ حولَ المسألة.
ولكن للأسف, فإنَّ هذا الاتهام " التخويني " لا يقتصرُ في دولتنا على اليمين القومي فقطْ, بل يُردده أيضاً كثيرٌ من الساسة العقيمين, وعلى رأسهم الكماليونَ. تحتَ هذا المنطق يجثمُ غرورٌ يعتبرُ نفسه " المُحِّقَ بالمطلق ", واستبدادٌ يقولُ " سأُخْرِسُ كلَّ من يختلف معي في التفكير ", وحينَ نستعملُ هذه اللغة, فإنَّا لنْ ننجزَ شيئاً خارجَ ممارسة الظلم بحقِّ بعضنا البعض.
إذنْ, ماذا قالَ بخجلي, إضافةً إلى لغته اللا متوازنة ؟.
قامَ بخجلي بترتيبِ مشاهدِ سيناريو المسلسل الموجود على أجندة الحكومة, أو يتوقعُ وجوده على أجندتها, فانهالَ ضرباً من مكان إلى آخر, على أشياءَ من قبيل : " إنهاءُ نظام حرَّاس القرى, تنويعُ لغة التعليم, مناقشةُ الهوية القومية, الاعترافُ بدولة البارزاني ". بعدَ معارضته العنيفة لكلِّ ذلك, أعلنَ أنهم لن يسمحوا بـ " مضغِ حقِّ أخوَّة عمره ألفُ سنة ".
وهذا الكلامُ الأخير, مُوجبٌ للاهتمام, لأنه – حقيقةً – هنالكَ بين الأتراكِ والكوردِ " حقُّ أخوَّة " عمره ألف سنة, استمرَ خلال زمن الدولة العثمانية, وقد أيَّدَ ذلك مصطفى كمال باشا في 1920 في كلمته أمام مجلس الشعب الكبير بأنقرة,عقبَ تذكره بأن في المجلس " عناصرٌ إسلامية " مثلَ الأتراك والكورد والشركس واللاز, فأكَّدَ بأنَّ تلكم الشعوب هي " راعيةٌ دائمةٌ لحقوقِ بعضها البعض العرقية والاجتماعية والجغرافية ".
ولكن حقَّ الأخوَّةِ يقتضي مُبادلةَ ذلكم الأخ الاحترام, أليسَ كذلك ؟. ألا يستوجبُ الاحترامُ المُتبادلُ احترامَ ثقافة الأخ وتاريخه ولغته ؟.
لماذا إذنْ يُظهرُ السيد بخجلي ردَّةَ الفعل هذه تجاه " تنويع لغة التعليم " ما دام يطرحُ أخوَّة الأتراك والكورد؟. ما العائقُ إذن من تعلم الأطفال الكورد في تركيا بعض الدروسِ المُختارة بلغتهم الأم, وبالتالي التمكن من تطوير أنفسهم ؟.
أو لنطرحَ سؤالاً مختلفاً : الدولةُ البلغارية تعترفُ لمواطنيها البلغارْ الأتراك باستخدام وتعلُّم لغتهم الأم, كيف سيعترضُ السيد بخجلي على هذا ؟. هل سيُصفقُ لطمسِ الهوية التركية هناك, إذا ما قامتْ به الدولة البلغارية باسم " البناء الأحادي لبلغاريا " و " بلغاريا وحدةٌ كاملةٌ لا تتجزأ " ؟.
إذنْ, إذا كانَ أتراكُ بلغاريا مواطنين من الدرجة الأولى, لماذا لا يكونُ الكوردُ في تركيا كذلك ؟. فإذا كان الجميعُ " إخوتنا ", ألا يقتضي ذلك المطالبةُ بالأشياء الحسنةِ ذاتها لجميعِ إخوتنا ؟.
يُمكننا مُراكمةُ الأسئلة أكثرْ. إذنْ فما قصدته هو ضرورةُ مُراجعةُ أعضاء حزب الحركة القومية لعبارة " الأتراك والكورد أخوة " التي تُستعملُ بتكرارٍ مكثَّف. طبعاً هي كلماتٌ جميلة جداً, ولكنها كلماتٌ لا تعني ولا تفيدُ شيئاً خارجَ ما يلي " قلنا أننا أخوة, إذنْ أصمتْ ( أيها الكوردي ) ولا تتشبثْ بكورديتك, ولا تتحدثْ بالكوردية كثيراً ".
والأصلُ أنَّ الكورد إذا ما كانوا يشعرونَ بهذه الكلمة النموذجية المثالية : " الأخوَّة ", لما جنى حزب الحركة القومية من الانتخابات العديدة في جنوب شرق البلاد ( كوردستان تركيا ) كل هذه النعال. ( سخرية من الكاتب, فبدلاً من جني الحزب الأصوات الانتخابية صار يجني الأحذية ).
أما معارضةُ بخجلي لسيناريوهاتٍ أخرى, من مثل : " الفيدرالية " و " التقسيم ", فأنا أيضاً أشاطرهُ الرأي في ذلك وأعارضها, ولكن ليسَ على أج
ندة الحكومة أشياءٌ كتلك. أنا مع إنهاء نظام حماة القرى بشكلٍ قاطع, والاستعاضة عنه بالإصلاحات وترتيباتٍ أخرى.
وصولاً إلى " العفو عن حزب العمال الكوردستاني ", وهو موضوعٌ آخر كانَ محورَ مُعارضة زعيم حزب الحركة القومية. علينا ألا نتفوَّهَ بـكلمة " العفو ", فإذا لمْ نُنجزْ قانوناً لـ " العودة إلى المنزل " واسعاً, كيف ستتوقفُ الدماءُ المتدفقة, إذا كان السيد بخجلي يعرفُ, فليُخبرنا من فضله.

ملاحظة : نشر المقال في صحيفة " ستار " star  التركية بتاريخ 18 مايو / أيار 2009.
 

هل سورية هي " الدولة الشقيقة " الجديدة ؟.

يوليو 23rd, 2009

الكاتب : سدات لاجينر
الترجمة من التركية : مصطفى إسماعيل

شهدت سورية خلال الفترة الوجيزة الماضية زيارة وفد رسمي تركي برئاسة الرئيس التركي عبد الله غول, استغرقت ثلاثة أيام, وإذا كان الإعلام السوري الرسمي قد اختار اللجوء كالمعتاد إلى العناوين المملة والمكررة المستخدمة حول أيما زيارة, فإن الحال في تركيا يختلف إذ شهدت مراكز الأبحاث والدراسات والمنابر الإعلامية التركية كتابات كثيرة حول الزيارة تلك, متضمنة الانهمام بالتفاصيل المسكوت عنها في الإعلام السوري, أهم من كل ذلك أن هنالك باحثين عديدين بدأوا في أعقاب الزيارة بالكتابة عن العلاقات التركية – السورية وعراقيلها وآفاقها, والكاتب " سدات لاجينر " الذي يدير مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية الدولية والتي تعرف اختصاراً بـ USAK هو أحد الأشخاص الذين كانوا في عداد الكتاب والصحفيين المرافقين للوفد التركي والرئيس غول, فيما يلي المقالة المطولة التي نشرها في الموقع الالكتروني لمؤسسته في الثلاثاء 19 أيار 2009 :


سدات لاجينر : هل سورية هي " الدولة الشقيقة " الجديدة ؟.

استخدمنا فيما مضى تعبيرَ " نحنُ دولٌ شقيقة " أكثر من أجل باكستان. بعدها ومع حلِّ الاتحاد السوفياتي بدأت الجمهوريات التركية وفي مقدمتها أذربيجان بالدخول في إطار هذا التوصيف, ولكن يمكن القول أنَّ الدولتين الوحيدتين اللتين بإمكاننا تأسيس أخوة فعلية معهما هما باكستان وأذربيجان, وإنْ استُخدِمَ بين الحينِ والآخر تعبيرُ " إخوتنا المسلمين " من أجل الدول العربية, فإنَّ كلمة " إخوة " هنا تفيدُ السخرية أحياناً, وقد تُحيلُ في أحيان أخرى إلى حقل الأمنيةِ, أكثرَ من الإحالة إلى وضعِ أخوَّة حقيقي. ويتضمنُ التعبيرُ في أحايينَ كثيرة ظلماً, مُنطوٍ بداخل السؤال التالي : " ما داموا أشقاءَ, لما لا يتعاملونَ كأشقاءْ ؟ ".
تُظهرُ جولة السيد رئيس الجمهورية عبد الله غول السورية لمدة ثلاثة أيام أن شقيقاً آخرَ على وشك الولادة, وذلك نتاجٌ مباشرٌ للجهود التي قُدِّمَتْ إلى الآن, وفاقاً لذلك تتقدمُ سورية بسرعة من صفة " دولة معادية " إلى صفة " دولة شقيقة ". علاوة على هذا, لا يبدو أنَّ تقارب الدولتين سيبقى رهنَ الحماس والعواطف, فالبذارُ بُذرتْ, وتمَّ إرواءُ الحقل, وحالة الجو كانتْ مُواتية, وحانَ الآن موعدُ الحصاد, ولهذا ربما نالَ ذلك سعادة وزير الخارجية الجديد أحمد داوود أوغلو, فهوَ رغمَ أنه بدأ للتو مهمته كوزير, كان أشبه بفلاح باسم الوجه في وقت الحصاد. حين سألته : " كيف تجري المباحثات ", ردَّ : " لم تعد هنالك مباحثات أو لقاءات, هنالكَ منذُ الآن توافقٌ, نحنُ أصبحنا في هذه النقطة " وكانَ يلخص بذلك كم أن المباحثات بين تركيا وسوريا مضت ناجحة.
المباحثات الثنائية بين الوفدين السوري والتركي برئاسة رئيس الجمهورية عبد الله غول والرئيس السوري بشار الأسد تعدت الساعتين, وإن كان ذلكم التأخير قد فتح الطريق أمام إشارات استفهام وسؤال " هل هنالك مشكلة ما ؟ ", ولكن علم بعد وقتٍ قصير من ذلك أن تجاوز التوقيت المحدد للمباحثات تمَّ لأن الطرفين طلبا زيادة على المدة المقررة لجلسة المباحثات, نتيجة لكثرة الموضوعات المتباحث حولها, ولرغبة الطرفين في تعاونٍ أكثر.
الأتراك والسوريون سعداء جداً بنتائج اتفاقية التجارة الحرة الموقعة فيما بينهما في الفترة القريبة الماضية, والطرفان يريدان تزيين هذه الخطوة الأولى بخطوات أخرى جريئة وواسعة. من بين المواضيع التي جرى التباحث حولها: مشاريع طاقة مشتركة, تقوية البنية التحتية لشبكة الاتصالات, وإلغاء القوانين التي من شأنها أن تبطىء وتعيق سرعة العلاقات بينهما, ومن المواضيع الأخرى التي تباحث حولها الوفدُ المرافقُ للرئيس غول في زيارته إلى سورية التي استغرقتْ ثلاثةَ أيام بالتأكيد : القضايا الإقليمية, المفاوضات السورية – الإسرائيلية, الصراعُ الداخلي الفلسطيني, الوضعُ في العراق إضافةً إلى مواضيعَ أخرى.
" الدولةُ الشقيقةُ تركيا "…
 في المؤتمر الصحفي الذي أعقبَ المباحثات لم أتكاسلْ, بلْ كنتُ أحصي. الرئيس السوري بشار الأسد استخدم كلمة " شقيق " تسعَ مرات, أما الرئيس غول فقد فضَّلَ استخدام كلمة " شقيق " من أجل سورية سبعَ مرات. كان رئيسي الجمهوريتين يخاطبان بعضهما البعض بكلمة " شقيقي ". ولم يكُ المشهدُ مختلفاً في اللقاءات الثنائية. فلمْ تفارقْ كلمة " شقيق " فم الأسد. في اليومين الثاني والثالث من الزيارة لم يختلف المشهدُ أيضاً, ففي الاجتماعات المفتوحة والمغلقة كانت تركيا بالنسبة للأسد " دولة شقيقة ", ورئيس الجمهورية غول كان " أخي العزيز ".
يمكنكم القول أن هكذا إشارات واردة في الديبلوماسية, هل هنالك ما يثيرُ العجبَ فيها ؟.
صحيحٌ أن الديبلوماسية والسياسة متعلقة بالمجاملات, والالتفاتُ المكثف إلى رئيس دولة أخرى جاءك في ديارك هو من العادات المتعارف عليها, ولكن لا يمكن أن تكونَ الكلمات الديبلوماسية خاليةً من المعاني تماماً, فلا يمكنُ نعت كل دولة بأنها شقيقة, ولا يمكنُ نعتُ كل دولة بأنها صديقة, ولا يمكنُ أن يتأتى استخدام رئيسي الدولتين للكلمة ذاتها 16 مرة في اجتماع لم يتعدى الساعة من فراغ, سيما إذا ما علمت أن سورية المتحدث عنها هنا تعتمد لغة حقيقية أكثر منها أدبية, من هذا المنطلق إذا ما تمعنا في محادثات المس

أوزكوك : ينبغي عدم الخوف من المشاكل

يوليو 21st, 2009

الكاتب : فكرت بلا

الترجمة من التركية : مصطفى إسماعيل

لم يهدأ الجدل الدائر في الإعلام التركي حول إمكان حل المسألة الكوردية في تركيا, بعد سلسلة كتابات الصحفي حسن جمال التي نشرت في صحيفة " مللييت " التركية, وقبلها الهدنة الأحادية التي أطلقها حزب العمال الكوردستاني على طريق الحل, والتي نظر إليها في الإعلام التركي بمثابتها الفرصة الأخيرة, وتشهد غالبية الصحف التركية منذ فترة وجيزة مناخاً من ردود الفعل على مبادرة العمال الكوردستاني و" ملاحظات قنديل " التي سلسلها الصحفي حسن جمال " على تسع حلقات نشرت خلال الأيام القليلة الماضية, فيما يلي ترجمة لمقال الكاتب الصحافي " فكرت بِلا " المنشور في صحيفة مللييت التركية :

أوزكوك : ينبغي عدم الخوف من المشاكل

الأمواج المتعلقة بحل المسألة الكوردية في تركيا ترتفع. المسألة دخلت طريق الحل وتجري فيه. تهب ريحها, ولا يخلفها شيء.
وقد ارتفعت أمواج الحل مجدداً هذه المرة مع تصريحات رئيس الجمهورية عبد الله غول, ومن بعده رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان, فالمقابلة التي منحها " مراد قره يلان " لـ " حسن جمال " غطت على الأجندة في تركيا, ومجدداً أشيع جو من ترقب " الحل ".
الرد القاسي لـ " بخجلي "…
تبدو الأنظار الآن متوجهة إلى رئيس الجمهورية عبد الله غول, في البدء طلب رئيس حزب الشعب الجمهوري " دنيز بايكال " من " غول " توضيح مقصده, مستفسراً : " ما هو المطلوب منا ؟, وما هو المقصود بكلمة الحل المطروحة ؟. "
بعدها انتقد رئيس حزب الحركة القومية " دولت بخجلي " كل من رئيس الجمهورية غول ورئيس الوزراء أردوغان, بأسلوب يمكن عده قاسياً جداً, بخجلي الذي قصد غول بحديثه قائلاً : " ما هو الاتفاق المطروح ؟, من هم أطرافه ؟, وما هي الفرصة المتحدث عنها ؟ ", مرتباً الأسئلة وصولاً إلى المقولة التي يمكن عدها قاسية : " ينبغي أن يطلب منا إلى أي الإهانات يمكننا الانضمام كخدم ".
في موضوعة " الحل ", متعارف عليه ما قصده كل من حزب العمال الكوردستاني وحزب المجتمع الديمقراطي, فقد أوضح قره يلان ذلك حديثاً.
ونحن نعلم رأي المؤسسة العسكرية التركية, وقد طرحه على الملأ رئيس الأركان العامة الفريق " إلكر باشبوغ " في الأيام القليلة الماضية, في أكاديمية الحرب, وفي تصريح صحفي.
وقد طُرِحَ رأيا كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية مرة أخرى على الرأي العام.
 بقي أن نفهم مقصد رئيس الجمهورية غول من " الاستفادة من الفرصة, وأشياء جميلة متعلقة بالفرصة ", وما يعمل عليه رئيس الوزراء أردوغان فيما يتعلق بـ " الحل ", خارج استعداده لإعادة أسماء القرى ( الكوردية ) السابقة مجدداً.
لا يمكن كتابة وصفة ( الحل ), ووضع معادلة ( الحل ) من دون معرفة ما يفكر فيه كل من غول وأردوغان.
إذا ما قام غول وأردوغان بالإجابة على أسئلة بايكال وبخجلي, حينها فقط يمكن فهم المقصود بـ " الحل ".
" يمكن لتركيا حل مشكلتها "…
أمسِ حظيتُ بإمكان اللقاء مع رئيس الأركان العامة الأسبق, الفريق المتقاعد حلمي أوزكوك, للتباحث حول الموضوع. سألته رأيه حول الجدل الدائر, فأوضح أنه لا يملك معلومات معينة حول الموضوع, معرباً عن إمكانيته في  الحديث بتحليل عام ومبدئي, وتحدث هكذا : " بلا ريب, فإن هذا الموضوع مشكلة هامة, ولكن يتطلب عدم الخوف من المشاكل, بالعكس ينبغي الخوف من فقدان قابلية حل المشاكل, وأنا مؤمن بأن تركيا تمتلك قابلية حل مشاكلها, فتركيا من الدول القادرة على حل مشاكلها ".
" ينبغي للحل أن يكون عقلانياً ودائماً "…
وحين سألت أوزكوك باشا رأيه في " ماهية الحل ", أجابني بهذا الرد : " مؤكدٌ أنه لا يمكن القول بالحل فقط كيفما كان, فلذلك أيضاً قواعده, يجب أن يكون حلاً عقلانياً وقادراً على الاستمرارية, ويجب أن يكون دائماً, وتركيا من الدول التي لديها قابلية على إيجاد هذا, طبعاً يجب أن يكون ( الحل ) ملائماً للقيم الأساسية لتركيا. ".
" أنا متفائل بالقادم "
أوزكوك الذي أضاف كمقترح أن بإمكان مؤسسات الدولة فقط إيجاد الحل بالعمل المنسجم فيما بينها, قال التالي :
" أنا أؤمن بأن مؤسسات الدولة المختصة يمكنها حل مشاكل تركيا بالعمل المنسجم فيما بينها, فالتوافق بين مؤسسات الدولة مهم جداً, إذا لعبت كل مؤسسة دورها المنوط بها, فإن تركيا ستحل مشاكلها في حالة من الانسجام, أنا متفائل بالقادم ".

ملاحظة : المقال منشور في صحيفة " مللييت " بتاريخ 13 أيار 2009.

مصطفى إسماعيل – إيران وتركيا وشبح العمال الكوردستاني

يوليو 19th, 2009

ما أن تحتكم القوى الجوية والمدفعية التركية إلى هدوء نسبي عابر, سرعان ما يدخل الجيش الإيراني على الخط, مهدداً القرويين الكورد البسطاء, عبر قصف مدفعي وجوي يزعزع الهدوء النسبي لدى الكورد في جغرافية لم تتعارف مع الهدوء بعد, وهاجس الطرفين الأوحد هو استهداف مقاتلي العمال الكوردستاني المتحصنين بالجبال الكوردية, والمتحولين إلى أشباح مزعجة من النخب الأول لآلهة الحرب التركية والإيرانية, فكان البديهي والحالة هذه لجوء الدولتين إلى صبِّ جام غضبهما على الشياة مرة وعلى منازل آمنة مرات أخرى, فيما يبدو المُستهدف المُخطط للاقتصاص منه بعيداً عن متناول أيديهم, وخلال ذلك لا تكفُّ الدولتان عن التقدم بشكوى إلى العراق / الدولة المحجوبة على أمرها, وليسَ للكوردي سوى التقدم بالشكوى لله الثاوي في لاوعي شعوب المنطقة, والإيمان أكثر فأكثر بقدراته الذاتية في تمهيد موطىء قدمٍ له تحت الضوء في الراهن العالمي الموَّار.

وبات معلوماً للمتابعين, أن محاولات الدولتين في استهداف مقاتلي العمال الكوردستاني لا تُؤتي أُكلها, وأصبحت مهمتا الدولتين في استئصال ورقة هذا الحزب ضرباً من المستحيل لعوامل عديدة, يأتي من بينها النقلة النوعية لأداء الحزب العسكري خلال معارك الزاب في فبراير 2008 وعدد من العمليات اللاحقة لها, وهو أمرٌ أسهم في تصاعد شعبية هذا الحزب, وتحوله إلى بؤرة أساس في المشهد السياسي الكوردي, ونلاحظُ في الآناء الأخيرة, وتحديداً منذ وضعت الصناديق الانتخابية البلدية في تركيا وكوردستان أصواتها, أن الكتابة عن العمال الكوردستاني, وضرورات إيجاد حل سياسي للمسألة الكوردية في تركيا تحديداً, باتت الشغل الشاغل لأبرز الأقلام في الصحافة التركية, على طريق المساهمة في حل مُعضلات تركيا, التي تعتبر المسألة الكوردية المنفذ الإجباري إليها ( المسألة رقم واحد التي تواجه تركيا باعتراف الرئيس التركي “غول ” مؤخراً ).

ويتكشف من مقايسة الماضي السيا – عسكري القريب في المنطقة براهنه, أن التنسيق بين الدول الأربع : تركيا وإيران والعراق وسورية في ذلكم الماضي القريب حول الملف الكوردي لا يشكل سوى جنينَ التنسيق الحالي بين الدول المذكورة, وتحديداً منها إيران وتركيا, ويُفسَّرُ ذلك فيما يتعلق بالجانب الكوردي أن الهوية الكوردية في تصاعد مستمر, وأن الخط البياني السياسي والعسكري لدى الكورد شهد في السنوات الأخيرة تصاعداً ملفتاً, الأمر الذي يقتضي تنسيقاً فائقاً من لدن تلكم الدول المذعورة من النفير الكوردي الذي في القلب المزعج والمُقضِّ لمضاجع تلكم الدول ( إيران وتركيا تحديداً ) اليوم منه حزب العمال الكوردستاني / صاحب الأطروحات السلمية والعمليات العسكرية المشتغل عليها بحرفية فائقة.

انطلاقاً من ذلك يتمُّ النظر تركياً وإيرانياً ( على المستويين السياسي والعسكري ) إلى الحزب على أنه حامل الرسالة الكوردية, وحامل مفاتيح المسألة الكوردية, وبناءً عليه التخطيط السياسي والعسكري المشترك لإحراق ورقة الحزب, الذي يُعدُّ بمثابة نحرٍ للمسألة الكوردية في هذه النهايات القصوى في فهمهم, وهو فهمٌ له محدداته وحيثياته, وإن كانت تداعيات الأفهوم التركي والإيراني للمسألة وقرائتهما لها من كوَّة حزب العمال تأتي بآثار كارثية على الجميع ( نفوذ الحزب في كوردستان وتحوله إلى حجر عثرة سياسي وعسكري يقابل بالتعامل العسكري فقط ), والطرفان مُحقان في قرائتهما وربطهما المسألة الكوردية بالحزب, فالوقائعُ خلال العقدين الأخيرين أثبتت دونما مواربة – ولا سيما في كوردستان الشمالية – أن الامتدادات السياسية والعسكرية الأخطبوطية لحزب العمال الكوردستاني الذي استطاع أن يكون قوة انبعاث كوردية من تحت الرماد وضعت جميع البيض الكوردي في سلاله, وفي نهاية شهر مارس كنا شهوداً على التأثير العمودي للحزب على السياسة الداخلية في تركيا, إذ صوَّت الناخب الكوردي لحزب المجتمع الديمقراطي المُقرَّب من العمال الكوردستاني, وكانت الحصيلة مضاعفة عدد بلدياته, وتحوله إلى الحزب الرابع في تركيا من حيث الجماهيرية.

تقاسم الأدوار بين تركيا وإيران هو ما شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية, وقد تكررت فصول من ذلك خلال السنوات السابقة, ففيما تبدو تركيا سياسياً وإعلامياً مأخوذة بالتصريحات الأخيرة لـ ” مراد قره يلان ” أحد قادة العمال الكوردستاني, والتي أدلى بها للصحافي في صحيفة ملليت التركية ” حسن جمال “, وهي تصريحاتٌ مُحرِّضة على ارتكاب السلام في كوردستان وتركيا, وإسكات أصوات البنادق, صوبتْ إيران فوهات مدافعها وقاذفات الهاون هذه المرة إلى قرية حدودية كوردية في تركيا ( قرية كوكَب في ولاية هكاري ), بعد أيام من قصف الطيران الإيراني لقرى في محافظة السليمانية الكوردية العراقية, منتهكة بذلك حق سيادة تركيا على أراضيها, وهو انتهاكٌ لميثاق الأمم المتحدة الذي يحضُّ على حسن الجوار, والهدف الصريح والمضمر من وراء ذلك هو الرد على حزب الحياة الحرة الكوردستاني, المنحدر من أرومة العمال الكوردستاني, والمنضوي في إطار منظومة المجتمع الكوردستاني معه, ولكن الملفت أن هكذا تعديات تقابل من تلكم الدول بإكرام وفادة تلكم القذائف والترحيب الصريح والضمني بها, فما يعلمه الجنرالات والساسة في الدولتين أن ليس من شأن تلكم الانتهاكات إثارة المخاوف والقلق من وقوع مواجهة عسكرية بين الدولتين, أو إشعال حرب تخرج عن السيطرة فيما بينهما, فكلا الطرفين يعلم أن المستهدف بها هو حزب العمال الكوردستاني ومن خلفه الكورد وأن ما يجري في المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وإيران وأبعد منه في أحيان كثيرة هو حصيلة تنسيق أمني – عسكري – سياسي بين الدول الثلاث, وهي قذائف أقلُّ ما يقال عنها أنها مسرحية بإمتياز وذكية تميز العدو من الصديق جيداً !!!.

السلطة والمعارضة وتصنيع المثقف

يونيو 14th, 2008

في سوريا, تفتقر السلطة إلى الديمقراطية, وتفتقر الأحزاب السياسية التي تنضوي معظمها في الإطارات المعارضة ‏أيضاً إلى الديمقراطية, وكأنها في سباق ” ما حدا أحسن من حدا “.‏

وفيما صنعت السلطة وخلال عقود ما يمكن أن يسمى بـ ” ثقافة السلطة “, وذلك عبر احتكارها المطلق لكل المنابر ‏الإعلامية والصحف والمجلات, وصارت بذلك الأحادية الثقافية من اللون الواحد هي السائدة, ولا مزيد من المجال ‏والإمكان أمام المختلفين والمغايرين القلة, الذين يتنفسون في الهوامش, كان لزاماً على الأحزاب المعارضة السورية ‏التي تطرح نفسها كلون آخر, مغاير للسائد والنمطية المتسيدة للوطن السوري, أن تأخذ بيد عناصر الاختلاف, وتؤسس ‏انطلاقاً من ذلك لحالة احتضانية, تكون حصيلة طبيعية للانفتاح على جميع المحرومين من وسائل ومنابر السلطة, ‏وذلك عبر فتحها منابرها وجرائدها وإمكاناتها البسيطة أمامهم, والتأسيس بذلك لثقافة الحرية والتعددية, وإن في ذلك ‏الهامش المتقلص, ولكنها لم تفعل ذلك, وكأن لسان حالها في ذلك يقول : ” السلطة ليست أفضل منا “, فاختارت أن ‏تكون الـ ” شن ” الذي يوافق ” طبق ” السلطة, وأسست بإمكاناتها الضئيلة والمحدودة وقصورها السياسي والثقافي ‏لثقافة أخرى تلق صداها في ” ثقافة السلطة “, فكان مولودها المشوه هو ما يمكننا تسميته بـ ” ثقافة الحزبوية “.‏

والنتيجة الطبيعية المؤلمة لذلك, هو ما نراه يتمثل في بقاء غالبية النخب الثقافية والمستقلة خارج الفردوسين ‏المفترضين, المملوكين حصرياً للسلطة والمعارضة ( النسخة الفوتوكوبي من السلطة ).‏

ولذلك – بطبيعة الحال – بالغ الأثر في قتل روح الروح الاستقلالية للشخصية الوطنية والثقافية المستقلة, فلا يمكن ‏للثقافي الحق أن يتحول بوقاً لأيما جهة لا يقتنع بها, أو يتمدد تحت مظلتها امتثالاً للأمر الواقع المفروض.‏

ويحق لنا هنا التساؤل بمرارة :‏

هذه النرجسية السلطوية وتلكم النرجسية المعارضاتية التوأم للسلطوية تخدم من ؟.

وهذا الدأب من الجهتين في اصطناع مثقفين تابعين يخدم من ؟.‏

مصطفى إسماعيل – وداعاً لفخامة الفراغ

يونيو 1st, 2008

لا يمكن للبنانيين إلا أن يتفاءلوا في الحد الأدنى, بعد وصول ” ميشال سليمان ” إلى الرئاسة, بعد مرحلة من تجمد كل شيء في لبنان, وفي صدارة تلكم الأشياء المتجمدة كرسي الرئاسة, الذي حطَّ عليه فخامة الفراغ طيلة أشهر.

وما يرجوه كل ديمقراطي ومحب للبنان هو ألا يتحول اتفاق الدوحة حبراً على ورق, وألا تتعنت الأطراف اللبنانية مجدداً, ويقودوا لبنان بالتالي إلى زريبة الانحطاط والاقتتال وفرض الحلول بفوهات البنادق, فلبنان بانتظار الحلول المثمرة والازدهار والرخاء, بعد سنة ونيف من خفوت وهجه, عاد فيها إلى نقطة الصفر.

ولا بد أن نسجل هنا, أن كلمة ” سليمان ” بعد أداءه اليمين الدستورية في البرلمان اللبناني كانت توفيقية, ولكن هل سيحتمل لبنان حكماً توفيقياً لمدة ست سنوات, فهنالك الكثير من القضايا والإشكالات, تحتاج موقفاً واضحاً وحراكاً لافتاً, أما إدامة لبنان في طبعة توافقية وتوفيقية فهو لا يخدم لبنان لا من قريب ولا من بعيد.

ثمة جبهتان أمام ” ميشال سليمان ” : – انقسامات الداخل, وهي الانقسامات الموجودة سابقاً, والتي عززتها هيمنة حزب الله الأخيرة, ومن هنا أهمية بناء الثقة المطلوبة في القضايا الحساسة.

_ والتعامل مع الخارج, وفي ذلك الخارج الكثير أيضاً من الإشكاليات والعلائق والعوائق.

كان الله في عون ” سليمان “, فكل تركيبة من التركيبات اللبنانية تجيب على متطلبات معينة, ويبدو من الاستحالة بمكان جمع التركيبات, فيما تلكم التركيبات تلعب على الانقسامات وتغذيها.

ولكن, ما يهم أولاً وأخيراً أن لبنان أحرق برزخ فخامة الفراغ, وانتقل إلى ضفة أخرى, عنوانها العريض فخامة الرئيس, أما عن الأيام القادمة وما ستشهده فلكل حادث حديث.

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer